ملخص اللقاء السياسي الذي نظمه الملتقى الفكري العربي بعنوان "اتجاه البوصلة الفلسطينية وسط التحولات التاريخية لعام 2006" والذي عقد في رام الله بتاريخ 23/8/2006. والذي حضره السيدات والسادة :عطالله حنا، بسام الصالحي يوسف حبش، احمد صبح، طاهر النمري، وليد خالد، محمد عباس عبد الحق، واصل ابو يوسف، راتب العملة، قيس عبد الكريم، خليل نخلة، جورج جقمان، زياد ابو زياد، سهى برغوثي، سمعان خوري، علام جرار، وفاء عبد الرحمن، رانيا قطينة، عبداللطيف غيث، نتاشا الخالدي ، عز الدين غالب، أحمد الرويضي، وفاء خوري.
ادارة الحوار: عبد الرحمن ابو عرفة
تلخيص: نصر عمر يعقوب
محاولة لتقديم "نظرية سياسية" كناظم لصيرورة الاحداث
تستند محاولة اكتشاف اتجاهات البوصلة الفلسطينية في اللحظة الراهنة على افتراض ان هذا العام (2006) شهد ولا يزال يشهد تحولات تاريخية كبيرة والتي ستنعكس بوضوح وستؤثر على القضية الفلسطينية سلبا او ايجابا. كما ان ادراك هذه التحولات والمتغيرات، وفهم مدلولاتها، ودراسة قدرة الاداء الفلسطيني وكيفيته في التعاطي معها على ضوء الواقع المعاش هو الذي سيحدد في النهاية سلبية الاثار او ايجابياتها على مستقبل القضية الفلسطينية. ومن خلال الملاحظة السريعة، يتضح ان الاداء الفلسطيني – حتى الان – يمر بحالة انفصام يحمل نوعا من التناقض. ويمكن التجرؤ والقول بان اساس هذه الحالة هي حرب عام 1967 وما أسفرت عنه من نتائج: فقبل عام 67 لم يتم طرح أية تسويات سياسية للقضية الفلسطينية بخلاف المرحلة التي تلت ذلك العام حيث كثر الحديث عن التسويات واخذت تفاعلاتها بالظهور الى السطح.
في وقت معين، وعندما حاول الاسرائيليون فرض تسويات معينة، يبدو ان الانتفاضة الاولى انبثقت كنوع من التحدي والرد ضد تلك المحاولة لفرض تسوية تستجيب بشكل كامل لما افرزته حرب 67 من نتائج. ويمكن القول، بأن المعادلة ما بين افرازات حرب 67 والانتفاضة الاولى شكلت نوعا من "التسوية" التعديل في موازين القوى التي مهدت الارضية لانتاج اتفاقية اوسلو التي راح يتجاذبها طرفان: الاسرائيليون الذين يشدونها لتكون اقرب ما يكون الى نتائج حرب 67، بينما قامت السلطة الفلسطينية بدورها بجذبها أكثر باتجاه ما تم انجازه من نتائج الانتفاضة الاولى. واستطرادا لهذا الفهم، كانت الانتفاضة الثانية 2000 امرا لا مناص منه بعدما تم الادراك بان الامور تسير باتجاه التفسير الاسرائيلي والقراءة الاسرائيلية لاتفاق اوسلو وما تبعه من اتفاقات، وان التسوية الجارية تنحو بشكل كبير باتجاه نتائج عام 1967. وفيما يظهر، يبدو ان الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي قد تعاملوا مع الوقايع ومجريات الاحداث وفقا لهذا المفهوم، والذي بدوره يفسر القوة والاصرارالتي استعملها الطرفان كل يحاول ان يجذب الامور باتجاه مصلحته طبقا لتحليله لموازين القوى وتغيراتها.
استمرت هذه "النظرية" تتحكم بصيرورة العلاقة بين الطرفين وصولا الى مطلع هذا العام الجاري الذي شهد تحولات نوعية وتاريخية. ففي بدايته، شهد عملية انتخابية ديمقراطية،. جاء انتصار حركة حماس ليشكل المفاجأة الاولى هذا العام مع كل ما يمثله من مفاهيم سياسية خاصة أن الحركة لا تعترف بكافة نتائج حرب 67 ولا تقر بها ولا تتعامل كذلك مع موازين القوى القائمة. وفي المقابل، فان السلطة الفلسطينية تتعامل مع تلك النتائج وما أفرزته وصولا الى الاتفاقيات التي جرى ابرامها مع الطرف الاسرائيلي. وبكلمة اخرى، فان السقوف لكل من مواقف حركة حماس والسلطة بدت متناقضة تماما كنتائج ملموسة لنتائج حرب 1967 سواء بالانقلاب العلني على تلك النتائج او الانطلاق من الاقرار بها. ولمزيد من الايضاح، فان وضعا غير مفهوم قد نشأ لكثرة ما نشهده من تناقض: فمن جهة، هناك الطروحات "الحمساوية" – ان جاز التعبير – غير الواقعية بالمعنى التي تتحدى نتائج حرب 67 مع انها لا تملك القوة التي تؤهلها لتحدي تلك النتائج والانقلاب عليها وتغيير موازين القوى القائم. ويمكن اعتبار ما تمثله حماس، وما تقوم به من اعمال مسلحة، بانه محاولة منها لاثبات أنه بالمستطاع وبالامكان تحدي نتائج حرب 67 على رمزية هذا التوجه بالمقارنة مع حجم الواقع القائم. وبالتالي، جاء رد الفعل الاسرائيلي على عملية الاختطاف الناجحة بما يؤكد بان نتائج حرب 67 مستمرة لمن لا يريد ان يفهم. وفي ذات السياق، فان عملية الامطار الصيفية التي نفذها جيش الاحتلال هدفت اقناع الجميع، وبالقوة، بعدم التمرد على تلك النتائج واستحقاقاتها. ولما تم تنفيذ العملية النوعية التي نفذها حزب الله في جنوب لبنان باسر جنود اسرائيليين متورطين في العدوان، كانت بمثابة تمرد اخر على نتائج حرب 67، كما جاء رد الفعل الاسرائيلي بما يؤكد بان نتائج تلك الحرب لا تزال سارية المفعول، وهي المعادلة التي تحدد قواعد اللعبة، وهي التي ستقرر مصير الشرق الاوسط وأوضاعه واموره.
ان الحرب المفتوحة التي وقعت بعد ذلك لا يمكن المرور عليها مرور الكرام حتى لاولئك ضعيفي الادراك. فقد احدث العدوان الذي خاضه الاسرائيليون ضد حزب الله نتائج استراتيجية شاملة بالرغم من أنها لم تكن عملا مستكملا للطرفين. بيد ان ما استكمل حتى الان يشير بحصول تغيير استراتيجي على درجة عالية جدا من الاهمية. ان ما حصل يشكل التحدي الاول الحقيقي لنتائج حرب 67 وبشكل واضح حتى أكثر مما شكلته حرب عام 73 التي تحدت نتائج حرب 67 ولكن بشكل جزئي وليس في مقدار ما اسفرت عنه الحرب الاخيرة والتي ليس لها مسمى حتى الان.
على ضوء هذا التحليل المكثف، ينبغي فهم وجهة الشعب الفلسطيني والى أين يسير واين تتجه بوصلته وسط هذه الضبابية وعدم الوضوح لا سيما وأن المستجدات النوعية والمواجهة التاريخية في الجنوب اللبناني تتيح للفلسطينيين هامشا من الخيارات خاصة على ضوء الانكسار الاسرائيلي الامر الذي من شأنه ان يؤثر على الخيار الفلسطيني. ان اكتشاف خط السير الدقيق، وضع الاصبع على الطريق الصحيح هو مهمة المهمات الداخلية للاهتداء الى درب السلامة.
ان عملية النقاش المطلوبة لتحديد الاتجاه الصائب يمكن ان تقع في ثلاثة محاور أساسية:
- الخطاب السياسي: لا بد من البحث في طبيعة الخطاب الفلسطيني على ضوء هذه المتغيرات. لاشك ان وثبقة التفاهم الوطني- وثبقة الاسرى المعدلة- تشكل خطابا معقولا من الناحية النظرية ولكن من المشكوك به جدا ان تشكل اساسا عمليا لاي تحرك استراتيجي عملي.
- متطلبات الاستعداد للمرحلة المقبلة: المتوقع من ان تكون المرحلة القادمة صعبة وقاسية، ولا يختلف اثنان على صعوبتها ابتداءً من المجالات المعيشية وحتى الاستراتيجية الكبرى، مع التأكيد على العلاقة الجدلية بين المجالات الاستراتيجية والمجالات المعيشية بحيث يؤثر كل منهما في الاخر، فلا بد من اكتشاف خط التوازن بينهما والاهتداء اليه وتحديده.
- العقبات والتحديات الاساسية: لا بد من تحديد العقبات والتحديات، ليتم تبعا لذلك تحديد سبل تجاوزها للوصول بالشعب الفلسطيني وقضيته الى مرفأ الامان.
الملامح الرئيسية للوضع الراهن
حتى يمكن الدخول في قضية الخطاب الفلسطيني للمرحلة المقبلة، والاستعدادات المطلوبة، والتحديات والعقبات، فان تحليلا سياسيا للواقع القائم ينبغي القيام به ليخدم كأرضية ومنطلق للولوج الى الاجوبة الفلسطينية المطلوبة على الاسئلة المصيرية، دونما الاغراق في التحليل السياسي والتفاصيل والجزئيات.
اثبتت المقاومة اللبنانية انها قادرة على تحقيق انجاز ملموس ضد العقلية الاسرائيلية وترسانتها الضخمة، واخفقت الحكومة الاسرائيلية، وفشلت فشلا ذريعا في تحقيق رؤيتها وما كانت تصبو الى فرضه بالقوة، ونجحت المقاومة اللبنانية في افشال المخطط الاسرائيلي. هذه حقائق جديدة باتت معروفة وواضحة على الارض. ويمكن القول بوجود شبه اتفاق على أن الحرب اللبنانية – الاسرائيلية قد شكلت تغيرا استراتيجيا وانعطافة في التفكير ومنهجه في المنطقة، رغم ان جولة الحرب تلك لم تكتمل بعد ربما بانتظار جولة اخرى، الا ان ما حصل لا يمكن القفز عنه بكل المعايير. كما ادخلت الحرب اللبنانية اسرائيل في اتون ازمة شاملة، وجدل داخلي كبير، كتعبير عن الزلزال الذي ضرب الدولة ومؤسساتها وبما يؤسس لتغييرات سياسية كبيرة قادمة. الا ان الاهم والاخطر هو انعكاسات هذا الواقع على الوضع الفلسطيني الداخلي وعلى العلاقة بين الطرفين الاسرائيلي – الفلسطيني.
توجد وجهتا نظر متغايرتان: تؤكد الاولى على ان الحكومة الاسرائيلية ستصب جام غضبها على الشعب الفلسطيني وحكومته، وانها في طور التحضير لنشاطات انتقامية تصعيدية غير مسبوقة للانتقام من الشعب الفلسطيني كتعويض عن فشلها الذريع في لبنان، ولكن هذه المرة بدون وجود اي رادع لعدوانيتها. ومن المتوقع ان تقوم بتعميم سياسة الاعتقالات بحق الحكومة الفلسطينية، بل ويمكن التنبؤ باعتقال كافة اعضاء الحكومة الفلسطينية ، مع استمرار تقطيع اوصال البلاد. ويمكن تصنيف التصعيد الاسرائيلي في منحيين:
1. تصعيد في أشكال العدوان بشكل مستمر ومتراكم.
2. مسعى ممنهج لتقويض وجود السلطة في الضفة الغربية وتكريس فصل كيان غزة عن الضفة الغربية.
ولكن، ينبري رأي مخالف ليقول وليجادل بانه لن يكون هناك اي تصعيد اسرائيلي قادم ضد الفلسطينيين، فالتصعيد لن يكون خيارا اسرائيليا في المرحلة المقبلة. ويستند هذا الرأي الى عدد من المبررات منها تراجع القضية الفلسطينية الواضح في الاجندات الدولية الذي كان موجودا قبل حرب لبنان. والدعوة وفق هذه الرؤية هي ضرورة أخذ "التصعيد الاسرائيلي" وفهمه بمنظار اشمل والمتجسد في حرق المشروع الوطني برمته. وعليه، فهو تشخيص خاطىء ذلك الاصرار غير العادي الذي يرى بان التصعيد الاسرائيلي يهدف الى اسقاط الحكومة الفلسطينية الحالية. ويستطرد اصحاب هذا التحليل بالقول، ويرون بان حركة حماس ارتكبت ثلاثة اخطاء جسيمة متتالية: الاول قراءتها الخاطئة لنتائج الانتخابات باعتبارها تفويضا سياسيا، والثاني اصرارها على تشكيل الحكومة بلون واحد، والثالث عدم تفهم مصادر تمويل السلطة الفلسطينية، وبدل كسب المؤيدين، راحت حركة، وتاليا حكومة حماس بتقديم مبررات مجانية زادت من العزلة الدولية واحكام الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني رغم حاجته الماسة لمساندة اي طرف دولي ثالث. فالحكومة الاسرائيلية لا تريد انهاء الحكومة الفلسطينية الحالية، وانما فقط تريد اضعافها دون اسقاطها حتى لا تعتبر طرفا يضطر الاسرائيليون في مرحلة لاحقة الى التفاوض معها.
وسواء ارادت الحكومة الاسرائيلية اضعاف الحكومة الفلسطينية او اسقاطها، فان النظام السياسي الفلسطيني بمركباته يغوص في وحل الشلل، ولاول مرة في التاريخ الفلسطني يكون النظام السياسي عاجزا الى تلك الدرجة، كما ويعاني من اوجه قصور بنيوية في الاداء اقعدته عن ايجاد مخرج من الازمة السياسية التي يعيشها. ان العجز في النظام السياسي يتجلى في الاداء السياسي وعدم القدرة في اطلاق مبادرات سياسية ولا القيام بتحرك فعلي للحد الذي يمكن معه القول بافتقاده الى الحياة.
ولا تقف الامور عند هذا الحد، بل ان هذا الواقع يعكس نفسه على الشارع ، وعلى قدرة الجماهير في التجاوب مع هذه القيادة المتربعة على دست السلطة والحكومة. ويلاحظ بان الاحتلال ينجح بخلق ثلاث حالات سياسية واجتماعية واقتصادية على الارض: فهو يكرس فصل الضفة عن القطاع، ويخرج القدس من أية معادلة مستقبلية كما بدأت الفوارق والتباينات تظهر في اثر الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية على الفلسطينين في هذه التجمعات الثلاثة، وباتت تتحول الى تمايزات ثقافية.
وبالتشخيص والتتبع، يرى المراقب بان مظاهر السلطة الفلسطينية وتعبيراتها على الارض هشة لا سيما في المظهر الملموس الوحيد والمتمثل في اجهزة الشرطة والجيش والامن الذين يخلون مواقعهم ويتوارون عن الانظار عندما تسرح قوات الاحتلال الاسرائيلي وتمرح قتلا واعتقالا. ومن الطبيعي ان أية سلطة لا تمارس ارادتها وسيادتها على الارض فهي ليست سلطة.
واذا تم تجاوز الاحتلال الاسرائيلي وصرف النظر عن عملياته العدائية واجراءاته المستمرة على الارض من اهانات واغلاقات واعتقالات واغتيالات، فان السلطة عاجزة من جهة اخرى عن حفظ الامن الداخلي واستتبابه، وبدل ذلك تنتشر الفوضى الامنية والميليشيات والمسلحين الذين لا يعبأون بالسلطة ومظاهرها ولا تختفي هذه المظاهر الا مع تواجد جيش الاحتلال، مع ان العكس ينبغي ان يكون هو الصحيح اذا ما اعتبر اداء حزب الله نموذجا للاقتداء. كما أن الاخفاق الفلسطيني بات محققا في تأمين الحد الادنى من الهموم الاقتصادية والمعيشية للناس. ويمكن الخلوص باستنتاج مبدئي مؤداه بعدم وجود "بنية" اساسية وسياسية للنظام السياسي الفلسطيني والذي هو رديف لمفهوم الانهيار، فلا يوجد قيادات، ولا ادوات حكم وضبط، ولا مؤسسات فاعلة الامر الذي ادى الى عدم اكتساب ثقة الناس الذين يتلظون بنار الجوع والوضع الاقتصادي السيء. بل، ويمكن تعميم هذه النتيجة على جملة مركبات الحركة الوطنية الفلسطينية التي لم تقدم شيئا ملموسا حتى في صعيد محاولة حل الهم اليومي للناس وتأمين قوت عشرات الالاف من العاطلين عن العمل والمزارعين.
الخطاب الفلسطيني
قد تكون وثيقة الاسرى هي الخطاب الفلسطيني فعلا بما أنها موقف توفيقي بين مواقف معظم القوى والفصائل الموجودة على الساحة الفلسطينية .ولكن يجدر الانتباه الى ان تلك الوثيقة قد تكون توفيقية كلاميا خاصة ان النقاش عندما يتمحور حول التفاصيل، ويصل اليها، فقد تطفو التباينات الى السطح وتبدأ الاستقطابات بالظهور، فـ"الشيطان يكمن في التفاصيل" كما يقال، وهناك احتمالية في ان يعود كل فصيل الى خندقه ومتراسه وموقعه. بيد ان ضرورة وجود خطاب فلسطيني هو متطلب اساسي لتجاوز هذه المرحلة وانعطافاتها. فمن الضروري بحال، توضيح معالم الخطاب الفلسطيني ومؤشراته ومضامينه وصيرورته.
يوجد فريق ينحو الى اعتبار وثيقة الاسرى هي الخطاب الفلسطيني المطلوب في الوقت الحاضر .ومع الاعتراف بان تلك الوثيقة قد نتجت عن عملية حوار، وتداولتها الالسن والاقلام والفصائل، وبالرغم من أنها تشكل اطارا جامعا، وانها ما رأت النور الا باعتبارها توافقا فصائليا، ومع التعويل على تلك الوثيقة ودورها في تخفيف حدة ازمة النظام السياسي الفلسطيني وثنائيته، وحدة استقطاباته، والمعبر عنه بوجود خطابين واداءين سياسيين مختلفين من الحكومة والرئاسة، بالرغم من كل ذلك، الا انه يوجد شبه اتفاق بان وثيقة الاسرى لا تشكل سوى اطار، وانها غير قادرة على اخراج النظام السياسي من ازمته، وانها لا تحل ازمة غياب البرنامج السياسي، فوق انها لن تنهي وجود سلطتين قائمتين على الارض، ومتصارعتين: فالقطبان (فتح وحماس) لا يتنازعان على الصلاحيات فقط، وانما يتنازعان على قيادة الشعب الفلسطيني، ومع عدم تقبلها الازاحة عن موقع القرار، ولا التنازل عن الارث التاريخي، تكاد حركة فتح ان تنسى ان المرحلة المعاشة هي مرحلة التحرر الوطني. وفي اثناء سعي كل من الحركتين في الحفاظ على ذاته ومكتسباته، فان القضايا المهمة تكون في طور الضياع والتجاهل.
ويرى فريق اخر، بان وثيقة الاسرى اعطيت ما لا تستحق، ويعلق عليها آمال لا تتحمل الوثيقة الايفاء بها، فالوثيقة ليست شيئا سحريا، ولم يوقع عليها الا "قبضة" اشخاص، كما ان نصوصها صيغت بعمومية مثل (تركيز المقاومة في مناطق 1967)، وعندما ياتي النقاش الى تفاصيل الوثيقة، فانه يتوقع عودة الاصطفافات والخندقة والعودة الى البداية كما اشير سابقا. فالفلسطينيون بحاجة الى برنامج سياسي واضح متفق عليه يقع في لبّه هدف واحد مبلور مع ارادة سياسية للتنفيذ وبرنامج عمل. بيد ان الشارع الفلسطيني يغوص في اجندات سياسية واجتماعية واقتصادية متناقضة تماما، وبالكاد يتذكر وثيقة الاسرى هذه .
ويؤكد سياسيون ومحللون وجود خطابين فلسطينيين سائدين متمايزين، غير متعايشين مع بعضهما البعض:
الاول هو امتداد لاتفاق اوسلو، فيما يجسد الثاني خطاب الممانعة والمقاومة .وبين الخطابين، وفوقهما، توجد عقلية ترى انه لا حل الا بانتصار ساحق لاحدهما على الاخر. ويستمر هذا الحال على هذا النسق رغم حجم الهجوم المعادي، ورغم خطورة التطورات السياسية التي تضع القضية الفلسطينية امام مأزق خطر ومصيري بما يحول هذه المرحلة الى وقت غير مناسب حتى لتحصيل الحقوق، وانما يكفي فيها تجاوز شطب القضية وتصفية الحقوق. ومع استمرار عملية الفرز بين خطي المهادنة والممانعة، لا تتوفر الارادة السياسية لتجاوز هذه المرحلة بالاتفاق على برنامج واحد، ومرجعيات متفق عليها لرعاية هذا البرنامج.
توجد اطروحة اخرى ترى وجود عدد من الخطابات ليس فقط بعدد الفصائل والقوى، بل انه من الصعوبة بمكان حصر خطاب واحد لكل فصيل واحد، فحركة حماس مثلا يتجاوز عدد خطاباتها اعداد من تجرى معهم المقابلات الصحفية. وهذا الواقع موجود ايضا، وان بوتائر اقل في حركة فتح، وكذلك في المجتمع المدني، ويبدو ان التجربة السياسية السابقة تؤشر على ان اعادة بعث الروح في اطروحات جرى تجريبها مثل "حكومة التكنوقراط" و"حكومة الوحدة الوطنية" التي سيستمر حصار الوزارات التي تشغلها حماس في حال جرى تشكيلها، هي اطروحات عديمة الجدوى لانه سبق تجريبها، وثبت بالواقع الملموس وبشواهد الحس والملاحظة فشلها واخفاقها الذريع. وربما يمكن للمرء ان يتشاءم ويذهب الى الاعتقاد بانه حتى لو تشكلت حكومة من "المريخ" فان الاجماع بشانها وعليها هو امر منعدم!
وتشدد وجهة نظر اخرى على ضرورة استناد الخطاب –اي خطاب- على ثوابت واعتماده على اسس فكرية عقائدية. وبالمقارنة، فان اسرائيل نفسها قد اعتمدت على ثوابت اسطورية توراتية وهمية رممت بواسطتها خطابا للداخل والخارج على حد سواء. وكذلك الامر بالنسبة الى تجربة حزب الله. والفلسطينيون بدورهم يمكنهم انهاء الارباكات في الخطاب بالاعتماد على العقيدة الاسلامية التي اولت ارض فلسطين عناية فائقة لدرجة اعتبارها القدس جزءا من العقيدة، وجعلت ارضها ارضا خراجية لا يملك رقبتها اي شخص بل هي ملك لكافة المسلمين جميعا وعلى مر الاجيال لان ارضها هي ارض وقف اسلامي.
ان الاصل هو في مجابهة الاطروحات العقائدية، باطروحات عقائدية اسلامية لتأسيس الخطاب على مفردات العقيدة والذي يمكن ان يشكل اتفاقا عاما بين الفلسطينيين وبقدسية مقر بها.
احتمالات المستقبل والحلول السياسية
بمكن تلمس الخطوط العريضة لاحتمالات المستقبل ومآلاته انطلاقا من الخلفيات التحليلية السابقة. وأول وجهة نظر يمكن طرحها هي ابقاء الحالة الراهنة على ما هي عليه في المستقبل المنظور، واستمرار الوضع الراهن وان بمسميات مختلفة حتى لو وجدت مبادرات مثل اعادة احياء عملية التفاوض او العودة الى خارطة الطريق او النقاش في آليات جديدة عامة فانه سيتم افراغها من مضمونها ووضع الاشتراطات التي تتكفل بتحويل تلك الاليات السياسية الى مجرد لغو فارغ حتى لا يتم تنفيذ ولا التقدم في أي امر جوهري على اية قضية تفاوضية. وتستند هذه الاطروحة على غياب مشروع سياسي رسمي للمرحلة القادمة: فلا يوجد على الطاولة خطة سياسية ملموسة ذلك ان خارطة الطريق – المشروع الاميركي الدولي – التي كانت بمثابة خطة رسمية قد سحبت من التداول بشكل غير معلن. في الوقت نفسه، تم تعليق العمل بمشروع الانسحاب الاحادي الجانب (خطة اولمرت المعروفة باسم الانطواء)، ولا يوجد بديل عن هذين المشروعين لا دوليا ولا اسرائيليا، فيما الطرف الفلسطيني لا يمتلك ما يمكن تسميته بمشروع سياسي او خطة سياسية.
ان القضية الفلسطينية والموضوع الفلسطيني سيتراجع في الاولويات الدولية والاجندات العالمية، وسيتوارى عن الانظار مفسحا المجال امام الموضوع اللبناني المعقد والمرتبط بالموضوع السوري والايراني والعراقي خاصة بعد سعي الادارة الاميركية لتعويض الفشل في لبنان والعمل على ترتيب اوضاع المنطقة. فالخيار السياسي القابل للتحقيق هو اتجاه الوضع الفلسطيني الى ابقاء الواقع القائم كما هو مع الميل الى زيادة تعقيده خاصة عبر السياسة العدوانية الاسرائيلية تجاه الارض والشعب مع عدم وجود تحرك سياسي جدي.
ومع هذا التفاقم وترجيح استمرار الانحدار، الا انه يحمل في احشائه اغراءً بعقد صفقة فلسطينية – اسرائيلية – دولية في غزة على وجه التحديد كتكرار للتجربة اللبنانية على قاعدة التشابه بين الواقعين (وجود قوات احتلال اسرائيلية، اطلاق الصواريخ، وجود اسرى في الجانبين). ومن الممكن ان يكون التعقيد القائم مقدمة لاعادة صيغة الحل السياسي في النموذج اللبناني من خلال قرار دولي وارسال قوات دولية ولكن في صيغة غزة مع فارق جوهري هو ان هذه الصيغة في قطاع غزة لن تكون مفروضة من احد.
ومن هذا التحليل، فانه حتى يكون من الممكن اعادة تكرار "نموذج الحل السياسي اللبناني"، فانه من الضروري توفر عنصرين فلسطينيا:
- خطة سياسية.
- عنوان وقيادة لتنفيذ تلك الخطة.
وهنا بالتحديد العقبة الكؤود حيث لا يتوفر أي من العنصرين فلسطينيا، حتى ان وثيقة الاسرى لا تصلح لذلك. ومن الممكن ان يباشر كآلية تنفيذ الخطة والعنوان في التنسيق العربي، وحشد تأييد دولي مساند، واعادة احياء مبادرة السلام العربية، لينصب البحث في انهاء الاحتلال وليس على التفاصيل. فاذا اصر الجانب الفلسطيني على طرح وتبني خطة السلام العربية، فانه لن يعود لا لخارطة الطريق ولا للقرارات الدولية.
ومع ذلك، وفي حالة استيفاء المتطلبات السابقة، فان العنوان الذي ينبغي ان يحمل هذه الخطة ويبادر الى تنفيذها هو مشكلة اخرى ليست اقل صعوبة عن الخطة وتبنيها: فالحكومة الفلسطينية الحالية تعتبر بمثابة مشكلة، كما وان تشكيل حكومة وحدة وطنية هي مشكلة اخرى وأكبر من الاولى، مع عدم وجود ما يمنع من ان تكون الحكومة الحالية او المنوي تشكيلها هي العنوان لتنفيذ الخطة. ولم يبق بد الا البحث عن عنوان اخر وهو الذي يمكن ان يتجسد في ايجاد لجنة تنسيق مشتركة (يمكن ان تكون هي نفسها التي اتفقت وانتجت وثيقة الاسرى) بالاضافة الى منظمة التحرير الفلسطينية واللجنة التنفيذية فيها، وتكوين عنوان مناسب من كل ذلك، فتولد قيادة تباشر التحرك كاطار مرجعي فلسطيني حتى حين الانتهاء من حل كافة الملفات على الساحة الداخلية الفلسطينية، ويمكن ان يشكل هذا التشخيص والمقترح احد المخارج المتاحة ضمن هذه الاطروحة.
ولكن، توجد وجهة نظر ثانية حول المستقبل السياسي للقضية الفلسطينية تنطلق من ان الموقف الاميركي يدفع المنطقة الى صراعات والى سياسة "القبر المفتوح" بدافع الهوس والخوف من عنصر الاسلام والمسلمين. وفي هذا السياق، فان طرح رئيس الولايات المتحدة الاميركية لشعار "الفاشية الاسلامية" يأتي كتعبير عن الضيق الشديد، وهالة العدوانية المسكون بها ذلك الرئيس. واستمرارا لذلك، وعلى هذه الارضية، يوجد خياران امام المنطقة والفلسطينيين من ضمنهم، وهما:
1. خيار الحرب والجولة القادمة التي يمكن ان تدفع اميركا واسرائيل باتجاه اندلاعها لانهما لا يستوعبان انتصار المقاومة اللبنانية، وعلى اعتبار تحول لبنان الى موقع متقدم لايران وهو الامر الذي لن يتم التسليم به. وهذا الخيار يمكن ان يرافقه افتعال صراع مذهبي وطائفي بين السنة والشيعة تهيء اميركا أجواءه ومناخاته لا سيما بعد بروز قوة الشيعة بعد حربي العراق ولبنان وما يتبعه من دخول المنطقة كلها في حالة التغيير وعدم الاستقرار وصولا الى الوضعية التي تستفيد منها اميركا.
2. خيار التفاوض والتسويات السياسية والدفع باتجاه عملية سلام شاملة بالمنطقة كلها بناء على اعتبارات جيو سياسية بحتة حتى يصار الى تجفيف مصادر تمويل وطرق دعم حزب الله في لبنان بعد قطع الموارد والامدادات عنه باعتبار ان سوريا هي الرئة التي يتنفس من خلالها حزب الله. ويزكي هذا الخيار ما أخذت تردده وكالات الانباء والاخبار المتسربة من عدة عواصم عن حل سياسي اسرائيلي مع سوريا. وفي حالة سيتم السير جديا في مسار التفاوض السوري الاسرائيلي. واذا حصل هذا التطور، فان على الفلسطينيين الدفع باتجاه التحركات التفاوضية الاقليمية والمشاركة بها مع الحرص على الدخول في أي عملية سياسية تبدأ في المنطقة خاصة بعد التجربة المريرة التي برهنت بان الطرف الفلسطيني لم ولن يجلب اي مكسب جدي في اي مفاوضات ثنائية منفردة مع اسرائيل.
واذا لم يتم استثمار هذا الخيار وتلك الامكانية في حال تحققه، فان الطرف الفلسطيني سيكون موضوعا لعمليات المزايدة بين الاطراف والاحزاب الاسرائيلية نتيجة للتفاعلات السياسية وفي ظل غياب قيادة مجمع عليها اثر الصفعة الساخنة التي وجهت الى الحكومة الاسرائيلية مؤخرا من حزب الله.
ومع كل التحليلات السابقة، يلوح في الافق استمرار المعضلة الفلسطينية التي طبعت سير الاحداث عشية توقيع اتفاق اوسلو منذ يا يقرب العقدين خاصة في حركة فتح والتي تتلخص في الصراع بين الداخل والخارج. فبعد "الهوس" الذي وجد في تونس، والخشية من سيطرة الداخل على مجريات الاحداث والامساك بزمام الامور في داخل البلاد، حصلت الانعطافة، وجرى توقيع اتفاق اوسلو بأبخس الاثمان في سبيل ضمان هيمنة "الخارج" على السلطة والداخل، كما وتم اعتبار السلطة الناشئة من رحم اتفاق اوسلو بانها مشروع استثماري اقتصادي لتحقيق مكاسب مادية لحفنة من "القيادات والمسئولين". ويمكن القول بان هذه المشكلة لا تزال تضبط ايقاع تطورات ومجريات الامور في حركة فتح ذاتها، ولم يتم التخلص منها حتى الان، ولا يتوقع انهاء هذه الازدواجية (داخل – خارج) في الامد القريب المنظور.
وفي المقابل، فان حركة حماس، لم تستوعب حتى الان المعاني والمغازي من انتقالها من موقع الحركة المقاومة والمعارضة الى موقع الحكومة، وحتى وقت قريب، لا يتوقع وصول حركة حماس الى مصالحة ذاتية مع نفسها فيما يخص هذا الشأن.
ومن الممكن ان يكون تشكيل حكومة غير فصائلية خيارا للخروج من الازمة الفلسطينية الداخلية لا سيما وان المجلس التشريعي الفلسطيني سيستمر كواحد من اهم مراكز الثقل والفعل والذي بواسطته تستطيع حركة حماس ممارسة دورها الذي تعكسه نتائج الانتخابات من خلال حجب الثقة او منحها لاية حكومة، فضلا عن محاسبة تلك الحكومة غير الفصائلية. وهذا مخرج مؤقت لكسر الطوق المفروض على الشعب الفلسطيني، والذي يمكن البناء عليه لاعادة ربط القضية الفلسطينية بمحيطها الاقليمي والدولي، وبما يوفر القدرة على المناورة وبناء التحالفات. ان وجود حكومة غير فصائلية هي خيار لامع نتيجة عدم وجود قيادة فلسطينية قوية تملك القدرة على اتخاذ القرارات، وكذلك بسبب وجود الاجندات المتناقضة على الساحة الفلسطينية، مع استمرار سياسة حماس في جعل بقية الفصائل رهينة بيدها وعندها، اضافة الى القراءة المتانية التي ترى بعدم وجود فرصة حقيقية لتحرك دولي اميركي قبل عام 2010 لترجيح عدم توقع حصول اي تحرك سياسي ابان ادارة الرئيس بوش الابن الحالية.
ويؤكد تحليل اخر على امكانية وجود مسار سياسي في فترة قادمة تقدر ما بين نصف العام والعام، ومع ان هذه لست نظرة متفائلة بالضرورة، الا انها مبنية على جملة مبررات واعتبارات منها:
1. ظهور سيل من المقالات والتحليلات في الولايات المتحدة الاميركية في حمأة الحرب اللبنانية الاسرائيلية شددت على العودة الى حل سياسي للقضية الفلسطينية. والملاحظ ان تلك المقالات صدرت من داخل الطبقة السياسية الاميركية الحاكمة، وعن مراكز ابحاث النخبة ومؤسسات قوية تؤثر في القرارات لقربها من الادارة الاميركية الحالية. ويمكن اعتبار هذا الامر مؤشر مهم لما يمكن ان تصير اليه الامور مستقبلا.
2. نواتج النقاش الداخلي الاسرائيلي ومفاعيله ببروز جناح اسرائيلي يذهب الى ضرورة البحث في امكانية العودة الى مسار سياسي سلمي مع سوريا واحياء التفاوض مع الطرف الفلسطيني. وقد ابدى رئيس الامن الداخلي ملاحظات حول امكانية فتح مسار سياسي مع سوريا الا انه وفي نفس الوقت اشار الى التفاوض ايضا مع الفلسطينيين. وبانتظار التفاعلات والاصطفافات خلف هذا الجناح المؤيد للتفاوض من جهة، او الجناح الاخر الداعم للحرب وتصعيد الاجراءات العسكرية، فانه يمكن التقاط هذا التوجه والتغيير كمؤشر اخر.
3. اما السبب الرئيسي الذي قد يدفع الى فتح مسار سياسي اسرائيلي – فلسطيني على وجه التحديد فهو وجود حالة من الفراغ السياسي. فلقد اقنع رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق – شارون – الادارة الاميركية استبدال خطة خارطة الطريق بخطته في الانسحاب الاحادي الجانب من قطاع غزة. بيد ان اعادة اجتياح غزة مؤخرا اسقط كون خطة شارون خطة بديلة قابلة للعيش. وفي نفس الوقت، أفشل امكانية تطبيق الانسحاب احادي الجانب (خطة اولمرت) في الضفة الغربية. ان الخطة الاحادية غير القابلة للتكرار في الضفة الغربية، ثم اعادة اجتياح قطاع غزة اسقطت امكانية اعتبارها كمشروع سياسي قابل للعيش مما ادخل الواقع في فراغ سياسي جديد. والان تعود الامور الى المربع الاول من وجود فراغ سياسي بحاجة الى مشروع سياسي قادر على ملء ذلك الفراغ.
4. يمكن التنبؤ على قاعدة تحليل اوضاع المنطقة ومنهجية السياسة الخارجية الاميركية بامكانية فتح مسار سياسي اسرائيلي – سوري ايضا. فبينما تعمد الحكومة الاسرائيلية الى اطالة الوقت والتسويف على الجبهة اللبنانية بانتظار التفاعلات الداخلية اللبنانية وبعثها لضرب حزب الله او اثارة القلاقل ضده، فان المصلحة السورية تقضي بربط مسارات التفاوض لا سيما انها لن تترك الورقتين الفلسطينية واللبنانية تضيع من يديها لاستثمارهما في الضغط على اسرائيل.
ومع اباحة التساؤل حول مدى وجود مصلحة سورية فعلية باعادة هضبة الجولان اليها نظرا لان حل هذه المشكلة بوجود تسوية سياسية بين الطرفين السوري – الاسرائيلي سيقود حتما الى تغيير داخلي سوري، وسيطرح شرعية النظام ويضع على المحك سياساته، وهو أكثر ما يخشاه النظام السوري، مع هذه الاشارة، وبتجاوزها، فان المتتبع للسياسة الاميركية ومفرداتها طوال سنين يجدها تقوم على فصل الملفات على حدة (فصل حزب الله عن ايران، فصل ايران عن سوريا، فصل سوريا عن العراق، ....). فاذا كانت السياسة الاميركية فعلا تهدف الى فصل سوريا عن ايران وعن سائر الملفات الساخنة الاخرى، فانه لا توجد سوى آلية سياسية لتحقيق هذا الفصل في الملفات.
واستكمالا لروح هذا التحليل وتطبيقاته، فان الشعب الفلسطيني ربما سيكون امام "الدولة المؤقتة" او "الحدود المؤقتة" والتي هي مشروع سياسي كان طرح سابقا. واذا تحقق ذلك، فان حركة حماس سواء كانت في الحكم ام لا، لن ينفع موقفها "التكتيكي" الذي تتمترس خلفه والداعي الى: "دعه يفاوض لنرى ماذا سيجني". وعندها فقط، ستطالب حركة حماس، هي وبقية الفصائل الاخرى، بابداء مواقف وتوجهات من الدولة المؤقتة هذه، وهو تحدي كبير، واختبار لمجمل الحركة الوطنية الفلسطينية.
نموذج حزب الله
اثبتت حرب الـ 33 يوما بين حزب الله واسرائيل مدى هشاشة القوة الاسرائيلية، والوهم الكبير الذي نسج حولها والذي تبدد بضربة لم تكن قاضية نظرا لوقف الحرب. وفي الوقت نفسه، أظهرت مجريات الاحداث مدى الضعف الفلسطيني الشديد بالمقارنة مع النموذج الذي انتصب ماثلا للعيان مرفوع القامة على ايدي حزب الله. فالاخير استطاع تشييد نموذجا مقاوما سياسيا واقتصاديا وثقافيا وعسكريا. ولا ريب بأن هذا النموذج أدخل الفلسطينيين باحزابهم وحكومتهم وجماهيرهم في ازمة جدية اساسها فقدان الثقة وسقوط اعتبار القيادة والفصائل من عيون الناس. لقد سادت روح الشك وعدم الثقة بتنظيمات اليسار والمنظمات غير الحكومة وحتى تزعزعت ثقة الناس بحركة حماس نفسها. ويمكن القول بصحة التأريخ لمرحلة ما قبل الحرب ومرحلة ما بعدها نظرا للنتائج والارتدادات السياسية والفكرية التي تمخضت عن تلك الجولة من القتال، والتي ينتظر ان تتسع وتتجذر في قادم الايام.
ان الدرس الاهم هو في ربط الوضع السياسي العام بالوضع الداخلي والواقع المعيشي، فالحديث عن مقومات الصمود والقدرة على الدخول في معركة طويلة وقاسية لا يمكن ان يتم بدون الاهتمام بالمشاكل اليومية للناس. والمدقق في واقع المجتمع الفلسطيني يجده ينحدر بتسارع شديد كتعبير عن انحدار قواه السياسية مختلفة التلاوين: فالنخبة مشغولة بالنقاش السياسي العام في "الصالونات السياسية" بعيدة عن الشارع ونبضه، والناس وحتى قبل تشكيل الحكومة الاخيرة لا تعرف ان كانت تعيش في ظل دولة مستقلة ام لا تزال البلاد تحت حراب الاحتلال، واستمرت مظاهر السلطة "الشكلية" غير الجدية وغير المقنعة، وتفاقمت الازمة بالتزاوج بين عقلية الثورة والدولة، وزاد الوضع تعقيدا وسوءا انتقام الناس من الفساد وانحدار الاوضاع بتحميلهم المسؤولية لحركة فتح. ولكن، يجب الاعتراف بان ما زاد الوضع تعقيدا فوق كل ذلك، كان النموذج اللبناني المقاوم الذي بناه حزب الله، ومراقبة الفلسطينيين على وجه الخصوص لكيفية الصمود وامكانية تحقيقه، وعدم التباهي بالانتصار، وكيفية الحفاظ عليه وصيانته، ومعاينة نوعية القيادات التي يمكن تسليمها دفة الامور.
لقد ذهبت ادراج الرياح الدعوات "بالواقعية" السياسية والتفكير بواقعية بحتة بعد قرابة العقدين من السير بهدى هذه الواقعية والتي اثبتت فشلها وعدم جلبها الا التراجع والخسارة على الشعب والقضية الفلسطينية. وامام هذه النموذج الرائع، فان ممارسة النقد الجدي لعموم الحركة الوطنية الفلسطينية، وممارسة المراجعة النقدية الشاملة لمسيرة هذه الحركة على ضوء النموذج الجديد هي عملية لم تتم .
ويقود هذا الكلام الى الحديث عن غياب ليس فقط اتجاه البوصلة وعدم وضوحه، بل والقول ايضا بعدم وجود بوصلة أصلا. لقد كانت المشكلة كما يتصورها الكثيرون هي امتلاك الفلسطينيين للتشخيص الجيد والتحليل الرصين، لتبقى المشكلة تكمن في صانع القرار سواء امكن ايصال جملة التشخيصات اليه ولم يفعل شيئا، او لم تصله التحليلات والتوصيات اصلا. ولكن، في هذه اللحظات، يبدو ان هناك عقما حتى في التشخيص، فلا يعرف الكثيرون ماذا يجري في السلطة والحكومة الفلسطينيتين، ولا احد قادر على ان يتنبأ باحداث المستقبل وفيما اذا ستحصل انتخابات مبكرة ام لا، ولا احد يدري تفاصيل قضية دمج منصبي رئاسة الوزراء والرئاسة. لقد تحول الفلسطينيون بفصائلهم الى رهائن لمبادرات الغير، وفقدوا القدرة على القيادة والتشخيص وفهم سيرورة الاحداث. وبين كل ذلك، واثنائه، ينهار المجتمع، ويتهتك نسيجه دون وجود حلول قريبة المنال.
متطلبات الاستعداد للمرحلة المقبلة
باعتبار ان حرب لبنان الاخيرة مجرد جولة ضمن جولات الصراع الطويل في سياق الصراع العربي– الاسرائيلي، فان عدم اليقين و"الاحتمالية" هي التي تسود مجريات الاحداث. فليس بالضرورة ان تكون الجولة الثانية من الحرب مع حزب الله، والمتوقعة الاندلاع نتيجة الاتفاق الهش الذي رعته الامم المتحدة، ان تكون بالضرورة تكرارا وتجديدا للتجربة الاولى، فالاحتمالات كبيرة، والنتائج وسيرورة الاحداث من الصعب التكهن بها وبمالاتها. والمفروض فلسطينيا التركيز على كيفية انهاء الشلل في النظام السياسي الفلسطيني واشتقاقات ذلك الشلل النظرية والعملية. فشلل النظام وفقدان حيويته انما هو واقع فعلي يصل الى حالة الخطورة القصوى بما يواكبه من انهيارات مجتمعية كبيرة، وبما يرافقه من نتوءات بارزة كتدليل على عوامل الانهيار الخطيرة المستمرة ومظاهرها في التعميم والتصاعد في كافة ارجاء البلاد.
واذا كان الخطاب الفلسطيني هو جزء من الاستراتيجية، يمكن القول بان كلا الاستراتيجيتين في الساحة الفلسطينية تفتقران الى التطبيق: فلا مقاومة مع رفض الحلول السياسية قابلة للنجاح، ولا المراهنة على التسويات السياسية والتفاوض بدون المقاومة يمكن ان يقود الى تسوية مقبولة. لقد اثبت الواقع ان الافتراضات والمبررات التي تقوم عليها كلا الاستراتيجيتين فاشلة واقعيا. اما النتيجة الفعلية والوخيمة لهذا الواقع فكان حالة من الضياع وفقدان البوصلة حتى غدا الشعب الفلسطيني وقواه كخشبة تتلاطمها الامواج.
ان وجود استراتيجية فلسطينية هو الحل الوحيد للواقع السياسي الفلسطيني القائم. وبالرغم من ان وثيقة الوفاق الوطني (الاسرى) ليس كافية، فانها ذاتها تتحدث عن ضرورة التوصل الى برنامج سياسي. وبكلمة اخرى، فان وثيقة الاسرى تتضمن عناصر لبلورة خطة واقعية. وحتى التفاصيل التي يمكن ان تفجر الساحة الداخلية التي تحتويها الوثيقة، فانما عمد الى صياغتها على ذلك النحو لتجاوز ضغوط المصالح الفئوية والفصائلية التي كادت ان تنسف الحوار حولها، لذلك فان الوثيقة حاولت ترشيد المقاومة ضمن الشرعية الدولية ودون تحدي تلك الشرعية.
ونظرا لحالة الاحباطات واليأس التي تسود البلاد، ومع بروز الخيارات العدمية غير الواقعية، وفي ظل حالة انهيار مجتمع شامل، لعب الضغط الجماهيري والشعبي دورا هاما على الفصائل لتوافق على تلك الوثيقة التي جرى توقيعها تحت وطأة الاستفتاء والتلويح به. ان الشعب الفلسطيني وقواه يواجه حالة انهيار محتمة خاصة في صعيد الوحدة السياسية لهذا الشعب والتي يتم تفتيتها عبر سياسات الاحتلال العدائية وعلى راسها سياسة الفصل العنصري والتمزيق والكنتنة. ويمكن البناء على ذلك بالقول بضرورة منع تفكيك الوحدة السياسية لهذا الشعب في مناطق تجمعاته وبكل ثمن باعتباره المهمة الملحة، وبضرورة وجود الضغط الجماهيري وتفعيله وتثميره بالضغط على النظام السياسي من اجل وقفه عن الدوران حول مصالحه والتوصل الى برنامج سياسي. ويبدو ان هذا هو المخرج الممكن في ظل حالة انسداد الافق السياسي للفصائل وفقا لبرامجها وتوجهاتها.
وربما يمكن اعتبار الاطروحة المعروضة أعلاه متفائلة قياسا على الاطروحات التالية التي قدمت على انها متطلبات الاستعداد للمرحلة القادمة. اذ تذهب وجهة نظر ثانية الى ضرورة استثمار حرب لبنان الاخيرة شريطة دخول قوى المجتمع الفلسطيني وقواه في حوار ونقاش داخلي ساخن وجدي للتوصل الى برنامج سياسي يمكن الاجماع وطنيا عليه .ومع الشك والنظر بعين واحدة الى احتمالية نجاح هذا المسعى عند صاحب الاطروحة، وذلك بسبب ضيق الوقت والسقف الزمني المنخفض لاتخاذ الاجراءات المناسبة، والا فان الوقت يكون قد فات على هذه الامكانية، الا انه يتم اعادة نفس "الوصفات" السياسية الدارجة من ان منظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها هو الحل مع رديف اخر هو مبادرة السلام العربية. وهذا كله من أجل انهاء العزلة الدولية القائمة، وتمتين عرى الوحدة الداخلية، وصيانة الاجماع الوطني، فالخطر يتهدد اسس وقواعد المشروع الوطني برمته وليس الحكومة الحالية فقط. اما السبب في التأكيد على الوقت القليل المتاح، فلان عدم كسب الوقت يعتبر هدية مجانية للاحتلال، فضلا ان الواقع القائم مريح جدا للاحتلال نفسه، ويوفر لحكومة اولمرت الحالية الذرائع بعدم الدخول في جوهر النقاش، كما وان استمرار عجز الحكومة الفلسطينية هو عامل مساعد ومعين للمسعى الاسرائيلي. ويذهب اصحاب هذه الاطروحة بعيدا الى حد الموافقة على اعلان حالة الطوارىء في البلاد مع حل الحكومة وحل المجلس التشريعي لتجاوز شطب المشروع الوطني وانهائه حتى يتبنى الرئيس المبادرة العربية كشعار اعتراضي لاحراج الحكومة الاسرائيلية وحشرها في الزاوية لاجبارها على التعاطي التفاوضي.
ويقترب تحليل اخر من وجهة النظر السابقة مؤداه العمل على اعادة احياء منظمة التحرير الفلسطينية عبر قيام الرئيس محمود عباس بتوجيه دعوة الى اللجنة التحضيرية المنبثقة عن اجتماع القاهرة حتى تتفق على برنامج وطني وخطة واستراتيجية مع ضمان الاسناد العربي اللازم وبلورة وجهة نظر فلسطينية حول المشاريع الجارية لترتيب المنطقة ككل سواء الشرق الاوسط الكبير وغيره. وهذا يمكن ان ينهي التجاذبات الحاصلة على الساحة الداخلية ويعيد توجيه البوصلة الفلسطينية الضائعة بتوجيهها ضد الاحتلال كونه جوهر المشكلة القائمة حتى يتم تجاوز الاخطار التي تحيق بالقضية الفلسطينية وعلى رأسها مشروع الادارة الذاتية في قطاع غزة مع شطب خيار الدولة.
ومن المواقف المطروحة كأحد متطلبات الاستعداد للمرحلة القادمة المبادرة الى عقد مؤتمر حاشد تشارك فيه كافة الفصائل والقوى والشخصيات الاعتبارية، والقيام بعملية مراجعة شاملة نقدية لمسيرة النضال الفلسطيني وحركته الوطنية على ضوء النموذج المقاوم الجديد الذي ارساه حزب الله، وذلك من اجل ان يتمخض عن قيادة وطنية موحدة تملك برنامجا سياسيا ورؤية لها محددات ومواقف لا يمكن التنازل عنها، تضبط ايقاع الحركة السياسية ومواقف الحركتين الاكبر على الساحة الفلسطينية (فتح وحماس)، وربما يقود هذا التوجه الى حكومة وحدة وطنية، ولكن مثل هذا اللون من الحكومة غير مقصود بذاته، وليس هو هدف وغاية بحد ذاته. بل الاصل، بعد تراكم الفشل والشلل والانهيار، ان تقدم الحكومة استقالتها، وكذلك تقدم الرئاسة استقالتها بعد تحقيق كل أنواع الفشل الممكن تحقيقه من جهة المؤسستين المذكورتين.
وبعد ذلك، يصار الى توجيه الدعوة وتركيز الخطاب للاحتلال الاسرائيلي ليأتي ويتحمل مسئولياته التي اعفي منها فالبلاد تحت الاحتلال واقعيا. ويرادف ذلك تشكيل "لجنة طوارىء فلسطينية" او "قيادة موحدة" لادارة الهم اليومي ومقارعة الاحتلال بتكرار منقح لتجربة الانتفاضة الاولى.
لقد وجد اكثر من رأي وموقف وتحليل واطروحة تنادي بحل السلطة الفلسطينية، وسواء راي المحللون والمتتبعون الفلسطينيون ان يعقب اعلان استقالة رئيس السلطة وحل المجلس التشريعي اجراء انتخابات جديدة للمجلس التشريعي وللرئاسة حتى يتم التخلص من ظاهرة الحكومة برأسين، او اعقب تلك الاستقالة الغاء السلطة وحلها، والغاء وحل منظمة التحرير الفلسطينية، والغاء وحل المجلس التشريعي، لان كل تلك المسميات لم تقدم شيئا جديا للوطن في مرحلته الراهنة، الا ان التحليلات المقدمة عبرت عن عظيم الاخفاق والضعف للمؤسسات المذكورة وعدم رجاء اصلاحها، ولا يتخيل وجود مخرج او منفذ في ظل وجود تلك المسميات الفارغة من المضامين و التي بات وجودها جزءا من المشكلة وليس عنصرا من عناصر الحل، فاصبح التخلص منها الشرط الضروري لوضع القدم على بداية طريق الاستعداد للمرحلة القادمة، والا فانها لن تنتج الا المزيد من التراجع والترهل والخلل والانهيار.
وبين وجود آراء اخرى ترى بان لا حل مرئي في الافق من الممكن التوصل اليه فلسطينيا، واستمرار القضية الفلسطينية كموضوع للصراعات بين الاحزاب الاسرائيلية او ارتهانها للحلول والوصفات والمشاريع المقدمة من الخارج، توجد وجهة نظر تقوم على اساس اعادة الانتداب الدولي على فلسطين عبر توجيه دعوة الى الامم المتحدة تدعوها لعمل اللازم من الاجراءات لتهيئة الاجواء لوضع البلاد تحت الانتداب الدولي كمخرج من الازمة.
لقد قاد التأمل بالمراقبين الفلسطينيين واثناء محاولة فك "طلاسم" تعقيدات الوضع الفلسطيني ومأزقه الى ان احد المتطلبات استعدادا للمرحلة القادمة هي في اعادة النظر في تحليل المراحل السابقة من تاريخ الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي ومنذ عام 1948 لالتقاط مفاصل الاستراتيجية الاسرائيلية السياسية والامنية في المراحل المختلفة، وادراك الاجراءات المتخذة اسرائيليا لاعطاء صورة تفصيلية عن السلسلة الكاملة لجولات الصراع ومفاصله ونقاط تحوله. ومع ان العدو الاسرائيلي يكتب كثيرا ويوثق ويؤرشف، الا ان الطرف الفلسطيني لا يستوعب بالضرورة كل ما يقوله خصمه الوجودي، والا لكان بالامكان صياغة الاهداف الاسرائيلية المرسومة تجاه الشعب الفلسطيني بدقة، ولتم رسم لوحة حول تصورهم لنا، واذا لم يتم القيام بهذا المتطلب، فانه يجدر المباشرة به فورا، ومن الضروري ان يتركز الجهد الفلسطيني في الوقت نفسه على اعادة النسيج المجتمعي وتقويته بتحديد الآليات التي تضمن انجاز ذلك.
وبالمقارنة مع تجربة حزب الله، واشتقاق المعادلات المناسبة كمهمات لمتطلبات المرحلة القادمة، يجد المحلل بان درس حزب الله الذي قدمه بصموده البطولي، كان سبق للثورة الفلسطينية ان حققت شيئا مشابها له او ملامسا لالمعيته، اضافة الى ان الثورة الفلسطينية المعاصرة التي انطلقت قبل اكثر من 40 سنة انما جاءت ردا على دول التجزئة وانظمة سايكس – بيكو في المنطقة، وكان الدرس الاهم هو انه لا يجوز للثوار والمنتفضين ان لا يستطيعوا بناء حياتهم وتنظيمها عبر تجريد الخطاب السياسي من الفئوية وصياغة خطة عنوانها "معركة اوسلو وافرازاته" بالتصدي لمحاولات الاحتلال الاسرائيلي الهادفة الى تحويل السلطة الى ادارة مدنية ضعيفة. كما ويظهر من النموذج اللبناني التركيز على عنصر الاعمار الوطني.
وبدون مصادرة نتائج حرب لبنان الاخيرة، ولا التقليل من شأنها، الا ان تلك الحرب لم تكن لتحرر فلسطين وهي لم تهدف لذلك اصلا، ولكن تلك الحرب اعادت التوازن الفكري لكيفية تقييم موازين القوى وبالتالي كيفية توظيفها لتحقيق سقوف يمكن ان تتجاوز بمراحل ما هو متاح حاليا، كما انها أحيت الامل في توسيع دوائر النضال، ولم يتم فقط تحقيق مرابح صافية ورفع المعنويات والمشاعر في العزة والكرامة والتحدي فحسب، وانما شكلت الحرب انعطافة حقيقية في منهج النضال القومي وتجاوز القطرية والتي تعتبر هي المقتل الفعلي للقضية الفلسطينية. فالمسألة لم تتموضع بعد في مكانها بانتظار المفاعيل والارتدادات والنتائج التي تظهر للعيان بمرور الوقت. وعليه، فانه ومن ضمن الاستعدادات للمرحلة المقبلة، لا ينبغي التغافل عن تلك العوامل وطيها بدون التعمق فيها وصياغة التوجهات نحو العالمين العربي والاسلامي ، وفرض منطقهما على الاحداث، وابعد من ذلك، فانه يمكن المراهنة على امكانية حدوث ما يفاجىء المنطقة في القريب.
العقبات والتحديات
تنتشر العقبات والتحديات في ثنايا كل اطروحة وموقف، ومع استحضار التقديرات المنادية بصعوبة المرحلة المقبلة وخطر تصفية القضية الفلسطينية، ومع تذكر الاحتلال كعقبة كأداء، فان الوضع الداخلي الفلسطيني وعمليات الانهيار المجتمعي تمثل العقبة الاساسية على اعتبار ان وضع الجبهة الداخلية الصحي هو أساس مقومات الصمود، ويمكن ان تطول قائمة العقبات والتحديات الاخرى، ولكن لا مانع من المرور عليها مرور الكرام وذكرها:
- عدم وجود برنامج سياسي وخطة.
- وجود نظام سياسي مشلول وبرأسين.
- عدم بلورة خطاب سياسي.
- عدم تشخيص المشكلة والعقبات الداخلية والاتفاق عليها وعلى ترتيبها وفقا للاولوية والاهمية.
- عدم وجود قيادة فلسطينية مؤثرة وفاعلة.
- عدم الوصول الى توصيات جدية متفق عليها.
- عدم وصول التوصيات الجدية – في حال التوصل اليها – الى اصحاب القرار.
- عدم التفات اصحاب القرار الى التوصيات في حال وصولها الى ايديهم.
- عدم التعلم من تجربة حزب الله والنموذج الرائع الذي ظهر جليا للعيان.
هذه جملة من التحديات والعقبات التي اشير الى بعضها في سياق ما تقدم طرحه .
الخلاصة
ان استطاعة الشعب الفلسطيني الصمود والمقاومة عبرالعقود الماضية بدون وجود الحد الادنى من المقومات المادية يعتبر معجزة. اما مسؤولية الانهيار الحاصل، فهو حصيلة قرارات وممارسات خاطئة ترفض تحمل تبعات المسئولية، وكأن الشعب نفسه هو المسؤول عن هذا المنزلق.
في هذا السياق الراهن هل توجد امكانية واقعية لاحداث اختراقات نوعية تؤثر على موازين القوى؟ وفي الصدد ، يصر البعض على وجود امكانية واقعية لابرام تسوية سياسية عادلة مع الاقرار بان ثمن اتفاق اوسلو بخس ولا يمكن التقدم به. ويصر البعض الاخر على وجود امكانية واقعية لدحر العدوان الاسرائيلي دون تفسير لكيفية ان ينبع ذلك من رحم مجتمع جائع وغير آمن.
ان الشعب الفلسطيني بحاجة ماسة الى حركة انقاذ تستند فعليا على الدعم الجماهيري والاسناد الشعبي في داخل البلاد وفي الشتات، وان يصار على الفور الى تشكيل غرفة عمليات تقوم بتحديد الاهداف ووضع الاستراتيجية واعداد الادوات وتخطبط العمل. ذلك يتطلب اولا مراجعة شاملة تعتمد الموضوعية اساسا.
ويبقى الامل معقودا على من يملأ هذا الفراغ.
ويتبقى هنا سؤال هام وان كان افتراضيا: هل تسهم الهزيمة الاسرائيلية امام المقاومة اللبنانية في تحسين الموقف الفلسطيني سواء على المستوى السياسي ام التفاوضي ام المقاوم؟ وهل يمكن ان بشمل ذلك حتى التفدم باتجاه رفع سقف الطموحات الفلسطينبة والتي ما تزال منحصرة في حالةً من الغياب الكامل للعدالة التي املتها معطيات حرب 1967?
ان الجواب يمكن ان يكون ايجابيا وبدرجات متفاوتة، ولكن ذلك يبقى نظريا الى حد كبير جدا، ليس فقط لانعدام المشاركة الفلسطينية المباشرة في هذه المعركة الظافرة، بل يتوقف ذلك على امكانية وقدرة الطرف الفلسطيني على ادراك واستيعاب المتغيرات والعمل بمقتضاها بكل ما يتعلق بالعملية السياسية والميدانية، وكذلك في نوعية ومتانة التحالفات الاستراتيجية. وكل ذلك يتطلب مستوى عال من وضوح الرؤية ومستوى رفيع من القيادة ومقدرة عالية لا تشير المعطيات الراهنة على توفره. وبالمقابل، هل يعني غياب ذلك استمرار حالة الشلل والاستجداء وانتظار ما تجود به القوى المهيمنة؟ مع الاسف ان الوقائع لا تشير الى ما هو سوى ذلك, ولكن هل يعني هذا اننا امام حالة قدرية؟ ان الجواب ايضاً هو لا قوية، ولكن يتوقف ذلك على وجود قيادة حقيقية قادرةً على المواجهة مع الاستعداد الحقيقي.